فخر الدين الرازي
260
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
العقلاء ، وأوصاف الواصفين ، وذكر الذاكرين ، ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزته واستغنائه عن جميع المخلوقات ، فضلا عن هذا المسكين خصه اللّه بهذه الهداية العظيمة لا بد وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى الاشتغال بشكره ، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته فلهذا قال : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 186 ] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 185 ] فأمر العبد بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر ، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه ، ويجيب دعاءه ، ولا يخيب رجاءه والثاني : أنه أمر بالتكبير أولا ثم رغبه في الدعاء ثانيا ، تنبيها على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل ، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء ، فقال أولا : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] إلى قوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [ الشعراء : 82 ] وكل هذا ثناء منه على اللّه تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] فكذا هاهنا أمر بالتكبير أولا ثم شرع بعده في الدعاء ثانيا الثالث : إن اللّه تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم ، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم ، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا اللّه في ذلك التكليف ، ثم ندموا وسألوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن توبتهم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية مخبرا لهم بقبول توبتهم ، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم . المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها : ما روي عن كعب أنه قال ، قال موسى عليه السلام : يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟ فقال : يا موسى أنا جليس من ذكرني ، قال : يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط ، قال : يا موسى اذكرني على كل حال ، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب اللّه تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وثانيها : أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وثالثها : أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء ، فقال عليه السلام : « إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا » ورابعها : ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا يا نبي اللّه ؟ فأنزل هذه الآية وخامسها : قال عطاء وغيره : إنهم سألوه في أي ساعة ندعو اللّه ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وسادسها : ما ذكره ابن عباس ، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت هذه الآية وسابعها : قال الحسن : سأل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أين ربنا ؟ فأنزل اللّه هذه الآية وثامنها : ما ذكرنا أن قوله : كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 183 ] لما اقتضى تحريم الأكل بعد / النوم ، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه تعالى هل يقبل توبتنا ؟ فأنزل اللّه هذه الآية . [ المسألة الثالثة ] واعلم أن قوله : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن اللّه تعالى ،